أخبار وطنية تحية في ذكرى ثورة التحرير في الجزائر.. من كتاب "في التحرّر الوطني والإجتماعي"
الأستاذ عميره عليّه الصغيّر
من كتابنا "في التحرّر الوطني والإجتماعي"
معركة التحرير التي اندلعت في 1 نوفمبر 1954 كان من فصولها المقاومة المشتركة الجزائرية التونسية و هنا بعض رجال تونس الذين كانوا في صف حرب التحرير لاستقلال الجزائر:
- صالح بن يوسف (1907-1961).
يعتبر صالح بن يوسف الأمين العام للحزب الحر الدستوري الجديد والملقب "بالزعيم الكبير" دينامُو المعارضة لاتفاقيات الاستقلال الداخلي لتونس (3 جوان 1955) والدّاعم للثورة الجزائريّة وفاء لرؤيته في التحرّر القائمة على أن لا إستقلال فعلي لتونس دون تحرّر للجزائر وللمغرب وإنّ شرف الوطنيّة الحقة أن لا يُخذل رفاق الكفاح في الجزائر لذا نادى بمواصلة الكفاح والمقاومة المسلّحة في إطار "جيش تحرير المغرب العربي" وقد أوفى بذلك.
ولد صالح بن يوسف في 11 أكتوبر 1907 بمغراوة (قرب ميدون) بجزيرة جربة في عائلة موسرة. تحصّل على الباكالوريا سنة 1930 من معهد كارنو بتونس العاصمة وعلى الإجازة في الحقوق من باريس سنة 1933 ليعود لتونس ويشتغل كمحام وينخرط بالحزب الحر الدستوري الجديد سنة 1934 ليصبح عضو ديوانه السياسي إثر مؤتمره الثاني سنة 1937. عرف الاعتقال والنفي شأنه شان قيادة حزبه وذاك سنة 1935 و 1938. وبانتقال بورقيبة للشرق سنة 1945 سوف يصبح صالح بن يوسف الأمين العام للحزب (1948) بعد أن عيّن بورقيبة في مرتبة الرّئيس. كان له دور فاعل في بعث مختلف المنظّمات القومية وخلق فراغ حول الإدارة الاستعمارية وربط الصّلة بالقصر. دخل حكومة شنيق التّفاوضيّة في 17 أوت 1950 كوزير للعدل ممثلا عن حزبه وعاش في المنفى منذ جانفي 1952 هروبا من الاعتقال إثر القطيعة مع الحكومة الفرنسية وأصبح المحرّك الأساسي للكفاح الوطني من خارج الحدود.
وقد عارض قبل حتى إمضائها في 3 جوان 1955، اتفاقيات الاستقلال الداخلي، واعتبرها "خُطوة إلى الوراء" وتزعّم الشق المعارض لهذه الاتفاقيات خاصة بعد عودته إلى تونس في 13 سبتمبر 1955 تحت راية "الأمانة العامّة" وجنّد أتباعه وخاضها معارضة سياسية مسلّحة زادت حدّة خاصة بعد طرده من الحزب في 8 أكتوبر 1955 واضطراره للهروب من تونس إثر صدور أمر بالقبض عليه وعلى أتباعه في 28 جانفي 1956 حيث استقرّ بطرابلس ثم بالقاهرة يقود "جيش التّحرير الوطني التّونسي" اعتمادا على قائده الفعلي والميداني الطاهر الأسود.
وقد كانت هذه المعارضة الوطنيّة جنّدت أكثر من 1800 مجاهد واستشهد منها ما ينيف على 500 رجل في معارك خاضتها مع المجاهدين الجزائريّين في "عصابات" مشتركة من الشمال الغربي حتى الجنوب الشرقي تحت راية التّحرير الشّمال والناجز للمغرب العربي وتحت راية العروبة والإسلام. وكان دور هذه المقاومة فاعلا في نصرة القضيّة الجزائريّة وتسهيل دعمها بالسّلاح علاوة على دورها الأساسي في منح تونس استقلالها التّام وفرض الجدّية على حكومة بورقيبة في التّعامل والوقوف إلى جانب القضيّة الجزائريّة. واصل صالح بن يوسف معارضته لنظام غريمه الحبيب بورقيبة رغم حملات التصفية والمحاكمات وحكم عليه غيابيّا مرّتين بالإعدام سنة 1957 وسنة 1958 لينفّذ فيه بالاغتيال عن طريق عصابة بعثتها السّلط الرّسمية في تونس وذاك في ألمانيا برنكفورت في 12 أوت 1961 . وقد أُعيد له الاعتبار بعد 1987 وجلب جثمانه من القاهرة ليوارى في مقبرة الشهداء بالجلاّز.
- حسين التريكي (1915 – 2012)
لعب هذا المناضل المغاربي دورا رئيسيّا في دعم الثورة الجزائريّة وخاصّة بالتعريف بها في أمركا اللاّتينيّة. ولد حسين التريكي بالمنستير سنة 1915 اشتغل في سن مبكّرة وانضوى للحزب الحر الدّستوري الجديد وأصبح أحد قياديه أثناء الحرب العالميّة الثانية. فرّ من تونس إثر إعادة احتلالها من الحلفاء وطرد الألمان في ماي 1943 وانتقل إلى إيطاليا ثم فرنسا وألمانيا ثم إسبانيا (1944) وحكم عليه غيابيّا من الحكمة العسكريّة الفرنسية بالإعدام.
وانتقل إلى القاهرة سنة 1948 ليصبح من العناصر الوطنيّة النشطة ضمن مكتب المغرب العربي وفي اتّصال مع محمّد بن عبد الكريم الخطّابي. اصطف إلى جانب صالح بن يوسف عند الخلاف حول اتفاقيات الاستقلال الداخلي وكان عبارة على عضده الأيمن وانتخب في 4 جانفي 1956 كاتبا عامّا لجامعة تونس والأحواز التابعة للأمانة العامة (رئيسها علي الزليطني). إثر مطاردة اليوسفيّين فرّ بداية 1956 مع صالح بن يوسف إلى طرابلس وسيلازمه في موقفه وفي معارضته حتى 20 مارس 1956 عند حصول تونس على استقلالها التّام.
وحكم عليه غيابيّا في تونس بالإعدام. ونظرا لعلاقاته مع القيادة المصريّة ساهم في ربط الصّلة بين جمال عبد الناصر وأحمد بلّة وشارك مبعوثا من حركات التحرّر الثلاث (بن يوسف، بن بلّة وعبد الكريم الخطابي) في مؤتمر المنظّمة العالمية للطلاب ببيونس آيرس بالأرجنتين (جوان 1955). وفي جويلية 1956 كلّفته جبهة التحرير الوطني الجزائريّة مع فرحات عباس وعبد الرّحمان كيوان للدّفاع عن القضيّة الجزائريّة في أمركا اللاّتينيّة (كان يحسن الإسبانية) وكتب ونشر بالإسبانية "هذه الجزائر" (1956) في المكسيك والبيرو والأرجنتين. كلّف في نهاية الثورة الجزائريّة بإدارة مكتب الجامعة العربيّة ببيونس آيرس بالأرجنتين في سنة 1958 و 1961. ربطته علاقات صداقة مع القيادة الجزائريّة بالقاهرة خاصّة محمد خيضر. عفى عنه بورقيبة في 1 جوان 1962 .توفي بالأرجنتين أين كان مهاجرا وذاك في 12 ماي 2012.
- عمر بن حميدة (1914-1993).
أمام عمر بن حميدة نحن إزاء مناضل وطني مغاربي ناضل في حزب الشعب الجزائري وفي الحزب الحر الدستوري الجديد لكنه لازال مغمورا حتى في وطنه بينما كانت حياته منذ شبابه كلّها صراع وتضحية من أجل الحرّية وضدّ الاستعمار. ولد عمر بن علي حميدة سنة 1914 بالمحبوبين بجربة. تحصّل على الشهادة الابتدائية لكنّه لم يواصل تعليمه ودخل معترك الحياة كصانع تاجر ليحطّ الرّحال مع خاله بخنشلة بالجزائر سنة 1935 ثم بقسنطينة أين انضمّ هناك إلى جامعة حزب الشعب وقد اعتقل هو ومجموعة من رفاقه من الجزائريّين في 27 أفريل 1938 إثر الحملة التي قاموا بها تنديدا بموجة القمع التي استهدفت التّونسيّين بعد أحداث 9 أفريل.
وبعد قضاء 8 أشهر بالسّجن عاد إلى تونس ليعاود النّضال ضمن الحزب الحر الدستوري الجديد حيث كوّن مع مناضلين آخرين (الهادي السعيدي، محمّد بن عمارة...) المنظمة السرّية "لجنة المقاومة" (جوان 1939) قامت بأعمال تخريب ودعاية واكتشف أمرها فقبض عليه مع رفاقه وكان حكمه من المحكمة العسكرية في جويلية 1940 الإعدام الذي أبدل إلى السّجن المؤبّد في نوفمبر 1940 ثمّ إخلاء السبيل في نوفمبر 1942. لكنّه أوقف مرّة أخرى باستعادة فرنسا سيطرتها على البلاد فأبعدته إلى المحتشد في غرب الجزائر حيث تمكّن من الفرار واللّجوء إلى شمال المغرب أين حصل على اللّجوء السياسي والتقى بوجوه الحركة الوطنية هناك شأن عبد الخالق الطّريس والمهدي بنونة وأصبح يكتب في الجرائد الوطنية مثل "الحرّية" للطّريس أو "الوحدة المغربيّة".
وفي سنة 1947 عاد إلى تونس بإعانة رفاق النضال من المغرب والجزائر. واستأنف نشاطه في صلب الحركة الوطنيّة. وعند تفجّر الخلاف حول اتفاقيات الاستقلال الدّاخلي كان عمر بن حمدية في صف صالح بن يوسف والمدافعين على فكرة مواصلة المقاومة ودعم الثورة الجزائريّة حتّى تتحرّر بلدان المغرب قاطبة. وعرّضه موقفه هذا للوقوف أمام المحكمة بتهمة اليوسفيّة. توفي عمر حميدة في 7 نوفمبر 1993 بتونس .
– الطّاهر الأسود (1911-1996).
هو أشهر قادة المقاومة الذين وقفوا إلى جانب الثورة الجزائريّة تحت لواء جيش تحرير المغرب العربي ومن قناعة إن لا تتحرّر كامل وفعلي لتونس إلاّ بتحرّر الجزائر والمغرب الأقصى. هو الطّاهر بن علي لسود بن محمد الصالح الزيدي، من قبيلة بني زيد بحامة قابس بالجنوب التونسي. ولد بريف الحامة (الهوّاري) سنة 1911. التحق بالجندية سنة 1930 وتحصّل على رتبة رقيب بعد ثلاث سنوات من الخدمة. كان منتسبا للحزب الحر الدّستوري قبل انقسامه وضمن الحزب الدستوري الجديد بعد ذلك وكان في هيأة شعبة الحامة. امتهن الفلاحة والخياطة.
كان من الأوائل الذين صعدوا للجبل للمقاومة في جانفي 1952 وأصبح مع آخرين شأن الأزهر الشرايطي وحسن بن عبد العزيز والساسي لسود ومحمّد جلايلة ... من أبرز قادة المقاومة التونسية (الفلاّقة) حتى تسليم السّلاح في ديسمبر 1954. وكان القايد الطاهر الأسود من القلائل مع أتباعه الذين لم يقبلوا باتفاقيات الاستقلال الداخلي ولم يسلّموا سلاحهم واعتبروا ذلك خيانة للقضيّة الجزائريّة.
يقول الطاهر لسود: "كيفاش خوك يضربو فيه واتّبّص واتخلّيه، أش تسمّيها هذه؟ ما تسمهاش خيانة" لذاك التحق الطاهر الأسود بجبال الأوراس وقضّى شهرين هناك التقى فيها بالثّوار الجزائريّين. وسوف يكون له دور أعظم بعد عودة صالح بن يوسف إلى تونس (13 سبتمبر 1955) وانقسام الصّف الوطني واندلاع المقاومة من جديد في ما يسمّيه المقاومون بـ "الثّورة الثانية" منذ أواخر 1955 حتى صائفة 1956 وكان الطّاهر الأسود طيلة هذه الفترة القائد الفعلي للمقاومة متنقّلا من الجزائر إلى تونس إلى طرابلس وحتى القاهرة منسّقا أعمال الثورة مع رفاقه أحمد بن بلّة عن جيش التحرير الوطني الجزائري والدكتور الخطيب عن جيش التّحرير المغربي وبتنسيق مع القيادة المصريّة في شخص خاصة الضّابط فتحي الذّيب.
وفعلا كانت للطّاهر الأسود عدّة اتصالات وعدّة وقائع ومعارك حربيّة قادها أو أشرف عليها في إطار الحرب الشّاملة والتنسيق لتحرير تونس والجزائر وساهم بدور كبير في تموين وتسريب السّلاح عبر الجنوب التونسي من طرابلس للمقاومة الجزائريّة واستشهد تحت قيادته في معارك عدّة مئات التّونسيّين والجزائريّين من جبال خمير في الشمال إلى جبال قفصة والجريد وبني خداش ومطماطة في الجنوب. وقد وضع حدّا لنشاطه بعد حصول تونس على استقلالها في 20 مارس 1956 لكن لم يسلّم سلاحه للسّلط التّونسية إلاّ في 3 جويلية 1956 وتصالح مع بورقيبة .توفي الطاهر لسود في 1996 ودفن بالحامة.